حيدر حب الله

24

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

أما الزاوية التي تجعله ترفيّاً ، فهو البحث عن أرقام ، تماماً كبعض بحوث علماء القرآنيات ، مثل كم ألف في القرآن ؟ وكم باء في القرآن ؟ وكم . . فقد يقال : ما الذي يهمّني لو عرفت عدد الآيات بما هو عدد ؟ وأما الزاوية المهمّة ، فهي أنّ رؤيتي لعدد الآيات الأحكامية ستحدِّد - من بعض الجوانب - حجم التدخّل القرآني في الشرعيّات ، فكلّما زاد العدد صار يترقّب استخراج عدد أكبر من الأحكام من القرآن الكريم ، وهذا معناه أنّ فهم عدد آيات الأحكام تابع لمديات استنباط الفقيه للأحكام من القرآن الكريم ، لا لصراع رقمي في بحوث القرآنيات ، فالعدد مهم ، لكنّه معلول وناتج عن فهم الفقيه للآيات القرآنية ومجالات دلالاتها الأحكاميّة ، فكلّما اختار الفقيه عدم دلالة الآيات على حكم خفّف ذلك من عدد آيات الأحكام ، وفي الوقت عينه صار يترقّب قلّة حضور الآيات القرآنية في الاجتهاد الفقهي ، والعكس صحيح . لكن مع ذلك ، ثمّة وجهة نظر أخرى يمكن طرحها ، وهي أنّ العبرة ليست دائماً بعدد الآيات فقط ، والتي لها معطيات أحكاميّة ، فقد تكون هناك عشرة آيات لكنّها لا تعطي إلا حكماً فقهياً واحداً ، إنّما العبرة بحجم استنطاق الآيات - ولو القليلة العدد - لإعطاء عدد أكبر من الأحكام ، وهذا يعني أنّ الفقه القرآني ليس - في مساحة حضوره في الاجتهاد الفقهي - رهين زيادة أو نقصان عدد الآيات فقط ، بل هو رهين أيضاً لعطاءات النصّ القرآني على مستوى عدد الأحكام ، فعدد الأحكام هو المعيار لا عدد الآيات ، وإن كان عدد الآيات يترقّب منه منطقياً أن يساهم في توفير النصّ القرآني عدداً أكبر من الأحكام ، ومن ثم حضوره بشكل أفعل في الاجتهاد الشرعي . إذن ، بوصلة الموضوع هي إمكانات العطاء في النصّ القرآني ، وهذه الإمكانات